علي بن يوسف القفطي
250
إنباه الرواة على أنباه النحاة
من أصحابه فلمّا صاروا بين يديه قال له إبراهيم بن السّريّ : أتأذن - أعزّك اللَّه - في المفاتشة ؟ فقال له المبرّد : سل عمّا أحببت ، فسأله عن مسألة فأجابه عنها بجواب أقنعه ، فنظر الَّزجاج في وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد أبى العباس للجواب [ ، فلما انقضى ذلك قال له أبو العباس : أقنعت بالجواب ؟ ( 1 ) ] . فقال : نعم ؛ [ قال ( 2 ) ] : فإن قال قائل في جوابنا هذا كذا ، ما أنت راجع إليه ؟ وجعل أبو العباس يوهن جواب المسألة ويفسده ويعتلّ فيه . فبقى إبراهيم بن السريّ سادرا لا يحير جوابا ، ثم قال : إن رأى الشيخ - أعزّه اللَّه - أن يقول في ذلك . فقال المبرّد : فإنّ القول على نحو كذا ؛ فصحّح الجواب الأوّل وأوهن الاعتراض . فبقى الزجاج مبهوتا ، ثم قال في نفسه : قد يجوز أنه كان حافظا لهذه المسألة ، مستعدا للقول فيها ؛ فسأله مسألة ثانية ، ففعل المبرّد فيها ما فعله [ في ] الأولى ؛ حتى سأله أربع عشرة مسألة ، وهو يجيب عن كلّ واحدة منها بما فعله في المسألة الأولى . فلما رأى ذلك الزّجّاج قال لأصحابه : عودوا إلى الشيخ ، فلست مفارقا هذا الرجل ، ولا بدّ لي من ملازمته والأخذ عنه . فعاتبه أصحابه وقالوا : تأخذ عن مجهول لا يعرف اسمه ، وتدع من شهر اسمه وعلمه ، وانتشر في الآفاق ذكره ! فقال : لست أقول بالذّكر والخمول ؛ ولكنّى أقول بالعلم والعمل . قال : فلزم أبا العباس ، فسأله عن حاله فأخبره برغبته في النظر ، وأنه قد حبس نفسه على ذلك ؛ إلا ما يشغله من صناعة الزّجاج في كل خمسة أيام من الشهر ؛ فيتقوّت بذلك الشّهر كلَّه . ثم أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما ، وأمره أبو العباس المبرّد بإخراج كتب الكوفيين ، ولم يزل ملازما له ، وآخذا عنه حتى برع من بين أصحابه . وكان أبو العباس لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحّح به كتابه ؛ فكان ذلك أوّل رياسة أبي إسحاق الزجّاج .
--> ( 1 ) من طبقات الزبيدي . ( 2 ) من طبقات الزبيدي .